تأثير الإعلام المرئي وانعكاساته السلبيةعلى تنشئة الأطفال


تأثير الإعلام المرئي وانعكاساته السلبيةعلى تنشئة الأطفال


صورة-النساء2

تعيش مجتمعاتنا العربية في دوامة التغييرات التي فرضتها المعطيات العصرية والتقنيات التكنولوجية بكامل أبعادها ومعانيها الرقمية والافتراضية بغية مواكبة عجلة التطورات الحاصلة في جميع المجالات، غير أن هذه المتغيرات تمثل في الأساس استهلاك مزمن لمنتجات وثقافات غربية ضربت بجذورها في أعماق مجتمعنا العربي في عاداته وفي معتقداته ومبادئه وقيمه ، وما يثير الجدل هو التحول الذي أحدثته أغلب القنوات العربية من خلال التوجه الذي تعتمده في البث المرئي على مختلف أشكاله والذي في الغالب يخالف تعاليم ديننا الإسلامي وتراثنا الثقافي وعاداتنا العربية الأصيلة.. ومع تفاقم النقد الموجه لهذه القنوات التي أصبحت تهدد أجيال المستقبل على وجه الخصوص تحولت إلى ظاهرة وقضية اجتماعية شغلت الكثير من المهتمين في مجال علم النفس الإجتماعي والإعلامي والتربوي نظرا لإنعكاساتها الخطيرة على سلوكيات الفرد والمجتمع وبالأخص لا الحصر على الأطفال، ويبقى المطلب الأهم هو إيجاد الحلول والقوانين التي تحد من التجاوزات السلبية بحق المشاهد الطفل العربي وضمان سياسات تحفظ هويته وإنتمائه العربي والإسلامي.
وتعتبر مرحلة الطفولة من المراحل الحرجة في تنشئة الطفل وفي تكوين شخصيته، وتأثره بالمحيط والبيئة التي يعيش فيها فهو يتعلم كيف يتعامل مع الآخرين بداية بوالديه وبتكوين الصداقات مع أقرانه وبالتعامل مع المؤثرات التي تحيط به والتي تعددت وتنوعت في عصرنا الحالي من خلال الوسائط المتعددة على اختلافها تلفزيون وكمبيوتر وانترنت وهواتف ذكية وألعاب الفيديو الإلكترونية وغيرها الكثير.
ورغم الاختلاف على تحديد المراحل العمرية للطفل تظل السنوات الست الأولى من عمره مرحلة مهمة وحرجة والتأثر خلالها ينعكس على شخصيته في المستقبل، ويعيش الطفل هذه السنوات من عمره في المنزل قبل التحاقه بالمدرسة وعادة ما يكون اتصاله في هذه الفترة منحصرا في والديه وأقرانه والبيئة المحيطة به، بمعنى أن ما يتلقاه من أفكار وعادات وتقاليد وسلوك يصله بشكل عشوائي وغير منظم أو مراقب، فإذا ما اكتسب الطفل هذه الاتجاهات والقيم يكون من الصعب تعديلها أو تغييرها في المستقبل، وفى العصر الحالي أصبح جهاز التلفاز يمثل أحد أفراد الأسرة وتأثيره أحدث تغيرات كبيرة في أنماط العادات الأسرية.
وفي هذا السياق تختلف الآراء حول نوعية البرامج التلفزيونية وآثارها السلبية على تنشئة الأطفال، ويبقى السؤال الأهم يرتكز على المعنيين بالأمر ومدى مسؤولياتهم نحو التدفقات الإعلامية المرئية في القنوات العربية والمحلية التي تستعمر عقول الأطفال لا الحصر.. وأهمية حمايتهم من الآثار السلبية التي تعود عليهم وعلى سلوكياتهم وكافة مناهج تنشئتهم وضمان تكوينهم المستقبلي ليكونوا جيلا متماسكا ومحافظا على هويته بعيدا عن التقليد الأعمى الذي يغزو مجتمعاتنا العربية والإسلامية.
بدأت العلاقة بين أفراد الأسرة تأخذ شكلا مغايرا للمفاهيم الأسرية التقليدية فأصبحت القنوات الفضائية شريكا للأسرة والمدرسة في تربية النشء إن لم تكن هي الأولى، فهي تحدد للأسرة مواعيد تناول الطعام ومواعيد الزيارات والتواصل الاجتماعي، على سبيل المثال من أجل مباراة كرة قدم يمكن لرب الأسرة أن يلغي كل الالتزامات العائلية وكل المواعيد مع الأصدقاء، فما بالك بالأطفال الذين يقضون الساعات والساعات في التنقل بين القنوات الفضائية بلا حسيب أو رقيب ويشاهدون البرامج الغث منها والسمين وفي أيام العطل والإجازات أو في رمضان يصلون الليل بالنهار في مشاهدة البرامج والمسلسلات بصورة مذهلة لا يتركون مهلة حتى لالتقاط الأنفاس…
وأصبحت البرامج التلفزيونية تقرر للأسرة والأطفال مواعيد المذاكرة والنوم والطعام والشراب، تكفي هنا الإشارة إلى استطلاع أجري على أطفال تتراوح أعمارهم ما بين السادسة والثالثة عشرة حيث طلب من العينة الإجابة على سؤال واحد هو: “لو كنت وحيدا في جزيرة معزولة عن العالم، ماذا تأخذ معك؟” احتل التلفزيون المرتبة الأولى وفضله الأطفال حتى على الطعام والشراب .
أن تأثير وسائل الإعلام في مجال التنشئة الاجتماعية يتفاعل مع عوامل عديدة مختلفة وفرضيات التأثيرات الإعلامية في التنشئة موجودة ويمكن أن نلمسها في المعايير والتوقعات التي يتوقعها الآباء والأمهات في سلوكيات أطفالهم، وهي تأثيرات تهدد وتعارض وتتحدى القيم الاجتماعية التي يبثها الآباء والأمهات والتربويون وغيرهم من مؤسسات الضبط الاجتماعي في الطفل، وهنا لا نغفل المسؤولية وأهمية التحكم وتحليل مضمون المواد الإعلامية ومتابعة ورقابة وتوجيه الطفل المشاهد وتفسير المضمون الإيجابي والسلبي له من خلال تنمية وتعزيز الوعي لدى الأطفال ليكونوا قادرين على اختيار وانتقاء ما يناسبهم وبالشكل الصحيح”.
وأن أثر المشكلات التي تحدثها التدفقات الإعلامية المرئية في سلوكيات الأطفال وفي تنشئتهم الأسرية والاجتماعية باستثناء بعض القنوات المتخصصة – أصبح لها دور في إفساد القيم والمبادئ الأخلاقية وتدني السلوكيات بشكل عام من خلال الترويج الفادح لثقافات وعادات غربية بعيدا عن هويتنا الأصيلة.
أهمية ودور الوالدين في متابعة أطفالهم ومراقبة ما يشاهدونه من برامج، بالتواصل مع أطفالهم وتوعيتهم بالإيجابيات والسلبيات التي يبثها التلفزيون، وإيجاد بدائل للأطفال في ممارسة هوايات وأنشطة تثقيفية علمية وترفيهية هادفة مع الاعتماد على مراكز تعليم القرآن الكريم والمساجد لترسيخ الثقافة والأخلاق الإسلامية لديهم، وهو الحل الأمثل للحفاظ على سلوكياتهم وضمان تنشئتهم السليمة.
من خلال ما سبق ذكره نصل إلى أن دور الأسرة لا ينتهي عند وضع الطفل أمام جهاز التلفزيون، ولا أن تنتظر الأسرة من وسائل الإعلام المرئي أن تقوم بدور المربي بالنيابة عنها، وتبقى قضية الاهتمام بالطفل والحفاظ عليه من كل ما يمكن أن يكون له أثر سلبي على تنشئته يندرج تحت مسؤولية الأسرة التي تمثل الدور التربوي الفعال للوالدين، وأيضا تبقى مسؤولية المعنيين ببث الرسائل الإعلامية المرئية في وضع وسن القوانين اللازمة للحد من التجاوزات السلبية التي تؤثر على المشاهد العربي حيث أصبح الإعلام المرئي سلاحاً ذا حدين يساهم في البناء ويدمر في الوقت نفسه وهي مسؤولية الجميع في استخدامه الإيجابي الذي يتناسب مع مبادئنا العربية وديننا الحنيف وأخلاقنا السامية للحفاظ على تنشئة جيل مستقبل واعي وحضاري ومتمسك بأخلاقه وهويته وقيمه.


6 التعليقات

إنتقل إلى نموذج التعليقات

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *